شارك هذا الموضوع

السيد محمد الهاشمي ليلة (7) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

واصل سماحة السيد محمد الهاشمي مجالسه الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة السابعة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ تحت عنوان “إيجابيات بني إسرائيل”، فبدأ المجلس بالحمد والثناء والصلاة على النبي الأكرم محمد وآله الطيبين الطاهرين،معزّياً بوفاة سيد البطحاء أبو طالب الذي كان حصناً منيعاً للإسلام في بداياته العصيبة، ومشيراً إلى أن فقده كان عام حزن على رسول الله، إذ فقد الناصر والكافل والمدافع الأول عنه في وجه قريش. ثم طرح سؤالاً محورياً: هل كان بنو إسرائيل يملكون صفات إيجابية حقيقية حتى يفضّلهم الله على العالمين، أم أن اختيارهم كان مجرد اصطفاء بلا استحقاق؟ خصوصاً أننا غالباً ما نسلّط الضوء على سلبياتهم وانحرافاتهم، فهل في تاريخهم جانب مضيء يستحق التأمل؟

عند مراجعة الآيات، نجد اختلافاً تفسيرياً لافتاً حول قوله تعالى: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾، فبعض المفسرين حملها على معنى التعريض والذم، أي أن الله اختارهم مع علمه بما سيكون منهم من انحراف، بينما رأى آخرون كالعلاّمة الطباطبائي أن الاختيار “على علم” يدل على وجود صفات راجحة ومؤهلات حقيقية فيهم آنذاك، جعلتهم أهلاً للاصطفاء في مرحلة من المراحل، إذ لا ينسجم مع الحكمة الإلهية أن يُفضَّل قوم بلا قابلية أو مزية.

ويتعمّق البحث أكثر في قوله تعالى: ﴿وإني فضلتكم على العالمين﴾، حيث انقسمت الآراء إلى اتجاهين؛ الأول يرى أن التفضيل هنا بمعنى الزيادة في العطاء لا الأفضلية في المنزلة، أي أن الله أكثر عليهم النعم من إرسال الأنبياء وكثرة الآيات والنجاة من فرعون وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى، لا لأنهم أكرم عند الله، بل لأن واقعهم كان يحتاج إلى تكرار الإرسال والتذكير، حتى قيل إن كثرة الأنبياء بينهم قد تكون شاهداً على كثرة انحرافهم، لا على فضلهم. أما الاتجاه الثاني فيرى أن التفضيل حقيقي، لكنه مقيّد بزمنهم، أي أنهم كانوا أفضل أمم عصرهم بما امتلكته فئة منهم من صفات إيمانية وصبر وثبات.فعند التأمل في سيرتهم، نجد أنهم صبروا على بطش فرعون سنين طويلة، وتحملوا ذبح الأبناء واستحياء النساء، ثم خرج جمعٌ كبير منهم مع النبي موسى عليه السلام في ليلة واحدة تاركين أموالهم وديارهم استجابة لوعد الله. وهذا الموقف في حد ذاته يكشف استعداداً للتضحية والثقة بالوعد الإلهي. كما أنهم، رغم سقوطهم في عبادة العجل، قبلوا لاحقاً التوبة الصعبة التي اشترطت عليهم، وخضعوا لتأنيب موسى، بل إن فيهم فئات صالحة نهت عن المنكر، كالفئة التي وقفت بوجه أصحاب السبت، والفئة التي ثبتت مع طالوت وقالت: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.

ومن اللافت أيضاً أن جماعات منهم استوطنت يثرب ترقّباً لظهور النبي الخاتم، لما وجدوه في كتبهم من البشارة به، مما يعكس إيماناً بوعد الله وانتظاراً للمنجي، وإن انقلب بعضهم بعد ظهوره حسداً واستكباراً. كل ذلك يشير إلى أن الصورة ليست سوداء بالكامل، بل فيها تذبذب بين علوٍّ وانحدار، حتى شبّههم القرآن أحياناً بالحمار يحمل أسفاراً، وأحياناً خاطبهم بقوله: ﴿وإني فضلتكم على العالمين﴾، في دلالة على أن التفضيل قد يُمنح ثم يُسلب بحسب العمل.ومع الميل إلى الرأي القائل بأن التفضيل كان حقيقياً في زمنٍ معيّن وبسبب صفات واقعية، يبقى الدرس الأهم أن الأمة قد تُرفع بعملها ثم تهبط بانحرافها، وأن الاصطفاء ليس ضماناً أبدياً، بل مسؤولية ثقيلة.

ثم انتقل المجلس إلى فضائل أبي طالب عليه السلام، مستشهداً برواية عبد العظيم الحسني الذي سأل الإمام علي بن موسى الرضا عن ما يُروى من أن أبا طالب في ضحضاح من نار، فجاءه الجواب الحاسم بأن الشك في إيمانه مصيره إلى النار، في دلالة على وضوح مقامه عند أهل البيت. كما رُوي أن أبا طالب حين بُشّر بولادة النبي، أخبر فاطمة بنت أسد أن تصبر ثلاثين سنة ليأتيها بمثله إلا النبوة، إشارة إلى ولادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مما يكشف عن بصيرة سابقة وإيمان راسخ بالمشروع الإلهي.وبيّن أن رسول الله سمّى سنة وفاته بعام الحزن، لأنه فقد الحامي والمدافع الذي كان يشكّل له الغطاء الاجتماعي والسياسي في مكة، حتى قيل إنه بعد رحيله قلّ خروجه من داره لشدة ما فقد من الأمان. وهكذا خُتم المجلس بالتأكيد على أن نصرة وليّ الله في زمانه، كما فعل أبو طالب، هي معيار العظمة الحقيقية، وأن الوفاء لخط الرسالة هو الذي يصنع الخلود في الدنيا والآخرة.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع