شارك هذا الموضوع

رؤية في المرأة

 الاخطار المنزلية (العنفر الاستغلال): تؤلف صنوف العنف الاسري ضد المراة اعلى ارقام الجرائم التي لا يعلن عنها. اما الاطفال الذين يعانون بحدة من ضروب الاستغلال الجسمي والجنسي او العاطفي، فهم يعيشون حياة كئيبة على الدوام تطفح بفقدان الثقة بالنفس ونقصان الشعور بقيمة الذات.


تشير الوقائع الى ان الرجال يمارسون اعلى مستويات العنف والاستغلال الضاربة بكيان الاسرة في انحاء العالم؛ والى ان النساء والاطفال هم اكبر ضحية للعنف والاستغلال الاسري. للعنف ضد المراة مظاهر متعددة تبدا من اشكال الاعتداء الجسدي الى صنوف الاذى النفسي التي تشمل الكلام البذيء والسيطرة المطلقة على المراة او الاعتداء الجنسي.


يترافق الظلم الجسدي الذي يصيب المراة، مع استخدام العنف الجنسي على الاغلب. وتشير التقارير الصادرة اخيرا عن اجهزة الامم المتحدة الى ان العنف الذي يطال المراة، في بلدان كاوغندا والتشيلي وبولندة والولايات المتحدة الامريكية، انما ينتج عن السكر والادمان على المواد المخدرة.


اما عن الاستغلال والاعتداء على النساء والاطفال، فان الارقام تكشف عن ان ما نسبته 53% من الرجال الذين يعتدون على زوجاتهم بالضرب في الولايات المتحدة الامريكية يعمدون الى استغلال اطفالهم ايضا. كما تشير كذلك الى ان الاطفال واليافعين الذين يقعون ضحية امهات مدمنات على السكر والمشروبات الروحية، ينجرون الى مستنقع الفساد والرذيلة.


3 - الفقر: الفقر والبطالة والقروض هي عوامل تؤثر على رفاه الاسرة بشدة. ان اعضاء الاسرة مجبرون على ترك منازلهم للبحث عن العمل، وهم مضطرون للعيش في اطار اوضاع صعبة. ففي امريكا وحدها التي تعد اغنى بلد في العالم نجدما لا يقل عن 12 مليون طفل يعيشون تحت خط الفقر، منهم 45% من السود، بالاضافة الى 39% من اصول امريكية لاتينية.


ان الفقر يهدد قدرات العائلة على تامين الاحتياجات الاساسية لاعضائها في جميع الموارد تقريبا، اضافة الى ما يتركه من تبعات سلبية على صعيد مرافق الحياة الاسرية كافة. على هذا سيفضي الفقر الى ان تكون الاسرة مهددة، على الدوام، بانواع الامراض، وسوء التغذية، وغياب الخدمات الصحية والحرمان من مزايا التربية والتعليم وسائر الحقوق الانسانية الطبيعية.


4 - استغلال الاطفال واليافعين: بالرغم من وجود قوانين حماية الاطفال، فان الاطفال، في كثير من بلدان العالم، لايقضون اوقاتهم في المدارس او الملاعب، بل تراهم مشغولين بالعمل وعلى نحو بائس. فظاهرة استغلال الاطفال واليافعين، تحولت اليوم الى فاجعة مؤلمة ومعضلة عالمية. ففي تايلند يباع هذا النمط من الاطفال الضحايا الى السواح الاثرياء...


ان في العالم، الان، اكثر من مليون طفل مجبرين على بيع اجسادهم وممارسة الجنس، وهم في الغالب ضحايا السواح الغربيين.


5 - الشباب الضائعون: تشير نتائج الدراسات، في الولايات المتحدة، الى تصاعد مطرد في معدلات انخفاض المستوى الدراسي بين الفتيان والفتيات والى تكاثر شيوع الحمل واسقاط الاجنة في اوساطهم. على سبيل المثال، ازداد معدل ارتكاب الفاحشة وشيوع الانحلال ليصل الى نسبة عالية جدا بين عامي 1966 و1980. اما معدلات الاقدام على الانتحار وحوادث السير والقتل فقد شهدت ارتفاعا ملحوظا في الفئات العمرية ما بين 15 و19 سنة.


وفي مؤشر آخر يلحظ ان العالم باسره يشهد نموا سريعا في استهلاك المواد المخدرة. اما شيوع العلاقات الجنسية غيرالشرعية بين اليافعين فقد ادى الى ازدياد معدلات الاصابة بمرض فقدان المناعة «الايدز». فبالاستناد الى احصاءات منظمة الصحة العالمية يلحظ ان نصف ضحايا فايروس مرض الايدز على الاقل هم ممن تقع اعمارهم تحت سن الخامسة والعشرين.


6 - الاعمال الشاقة خارج المنزل: لم تقتصر ضغوطات عجلة الانتاج الراسمالي على دفع الرجال وحدهم للعمل في مواقع مختلفة وحسب، بل املت حركة العمل استغلال طاقة العمل النسوية ايضا ودفعها في مدارها. ان كثيرا من العوائل المدينية لن تكون قادرة على تامين احتياجات افراد الاسرة بالاتكال على دخل آحادي.


من الظواهر السلبية التي برزت نتيجة التغيير الذي طرا على نماذج العمل داخل الاسرة، شيوع الاسرة المؤلفة من والدواحد، وازدياد معدل البطالة، والتغيير الذي طال العلاقات الجنسية التقليدية بين النساء والرجال في وسط الاسرة (ينظر: منشورات مؤسسة اليونيسكو لعام 1993).


السلامة والامن الاجتماعي
يعد الزواج المفضى الى انشاء الاسرة السبيل الاكثر اطمئنانا لضمان سلامة المجتمع وامنه. فعندما تستقر قواعد الاسرة ويتحرك الشباب باتجاه الزواج وتكوين الاسرة، ستنخفض، على نحو مشهود، عوارض الك آبة والضياع والطغيان والاعتداءات الجنسية، كما سيؤدي ذلك الى الحؤول دون انتشار الامراض الجنسية الخطيرة بشكل واضح. تشير الاحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، وكذلك الدراسات المنبثقة عن مراكز الاصلاح والتربية في ايران، الى ان اغلب الافراد الذين ينزلقون الى هوة الانحرافات بنحو من الانحاء، هم ممن حرموا العيش في اكناف الاسرة واجوائهاالعاطفية، وممن فقدوا حنان الابوين.


ان اي تغيير يطرا على الاسرة، ايجابيا كان ام سلبيا، له آثاره المباشرة على المجتمع الانساني الكبير، فثبات الاسرة اوعدم استقرارها له تبعاته المباشرة على المجتمع. ففي المجتمعات التي تتعرض فيها القيم العائلية الى الاهتزاز تنحدر فيها الاخلاق العامة من دون ريب.


تعد الاسرة الكيان الاجتماعي الاساسي لحياة كل انسان، ومن ثم فان السلوك الذي يبرز من الكبار في المجتمع، ان هوالا تعبير عن حصيلة هؤلاء داخل الاسرة. فكل انسان يتصرف في المجتمع من وحي رصيده الاسري. في هذا الاتجاه،تتحدث التقارير الصادرة عن ادارة شؤون الشباب في وزارة العدل الامريكية لعام 1982 ان هناك (118655) ملفالجرائم قتل وتجاوز جنسي وسرقة واعتداء مسلح سجلت في سجل شباب تحت سن الثامنة عشرة (ينظر: صحيفة كريستيان ساينس مانيتور، 1992).


يذكر ادل هارل، المتخصص في مؤسسة الشؤون البلدية في واشنطن، ان الوثائق تشير الى ان هؤلاء الشباب ينحدرون في الاغلب من امهات مدمنات على تناول المواد المخدرة، وان ما نسبته 30% من هؤلاء ينتمون الى عوائل مفككة، فلم تواتهم الفرصة للعيش مع الوالدين. وبحسب ادل هارل ايضا ان شيوع ثقافة التحلل واللامبالاة بين الشباب التي تعدبدورها نتيجة التفكك الاسري، هي من العوامل الاساسية في ازدياد معدلات الجريمة داخل امريكا.


في بحث انجزه كاتب هذه السطور، عام 1983، على الشباب المنحرف الذي يعيش تحت رعاية مركز الاصلاح والتربية في ايران، لاحظ ان 39% من هؤلاء ينحدرون من اسر هشة مفككة، او من اسر تعيش مشكلة الادمان على المخدرات.


رغم جميع هذه الازمات التي تعصف ببنية الاسرة، ومع جميع التغييرات البنيوية التي طرات داخل الاسر، لا تزال الاسرة التقليدية تحظ ى بموقع افضل بالمقارنة مع بقية اشكال الاسرة. فهذا الارتباط العاطفي بمؤسسة الاسرة وكيانهاوبالاولاد الذي ما لبث يعبر عن نفسه برغم ظهور بعض البنى الاسرية الجديدة، لهو علامة على عهد جديد من امتداح الاسرة التقليدية وتمجيد حريم البيت، بما يعبر عنه البيت من موقع للتفاهم وللعلاقات الودية الدافئة، وبما يمثله من مركز لاشباع الاحتياجات النفسية - الاجتماعية للافراد، ومن ارضية لايجاد الامن وتامين الراحة والهدوء للاسرة وضمان استقرارها.


تبقى المحبة الغريزية الفطرية هي الوظيفة الاساسية الوحيدة للاسرة التي لا تزال قائمة حتى الان في جميع المجتمعات ولا سيما المجتمعات الغربية وان بصورة نسبية، هذا على الرغم من ان المجتمعات الغربية تعد اكبر ضحية لاطروحة تضعيف الاسرة.


السلامة الجسمية، والاستقرار الروحي، وتفتح الحياة الشخصية للمراة والرجل وازدهارها هي غايات لا تتحقق الا في نطاق الاسرة وعبر اجوائها، وان كان يمكن ان تكتسب هذه الغايات اشكالا خاطئة وغير سليمة في بعض الحالات. انهاوظائف الاسرة وانطقة عملها متمثلة بالحب، والدف ء والحنان والمودة، وتربية الطفل وانشائه، وتنمية حس التعلق والارتباط؛ هي القادرة وحدها على ان تجعل الاسرة من بين بقية المؤسسات الاجتماعية المختلفة، الكيان الذي لايضارع والمؤسسة المتفردة التي لا ند لها ولا نظير.


تشير الدراسات الصادرة عن ادارة الصحة العامة في امريكا عام 1980 الى ان هناك ارتباطا وثيقا له مغزى ايجابي بين الصحة النفسية والزواج، فالمتزوجون يحظون بموقع افضل من حيث الصحة النفسية والسلامة الروحية بالمقارنة مع العزاب، وهؤلاء قلما تظهر عليهم علائم العصاب والامراض النفسية والعصبية بالمقارنة مع غير المتزوجين، ومن ثم فان النسبة المئوية لدخولهم الى مستشفيات الاعصاب والامراض النفسية قليلة بالقياس الى غيرهم.


الزواج وتكوين الاسرة هما تعبير عن حاجة طبيعية بالنسبة الى البشر منبثقة عن فطرتهما وكينونتهما الخاصة، ومن ثم لاينبغي التعامل مع هاتين الظاهرتين بوصفهما عقدا اجتماعيا عاديا، لا يلحق الضرر بالنظام الاجتماعي في حال تحققه.بل الامر على العكس تماما فان اي نحو من الضرر يصيب البنيان الاسري الكريم يجر الى تبعات على مسار التحول في البنية الكلية للنظام الاجتماعي وبالمنظومة القيمية والثقافية بالتبع لذلك.


ان الزواج وتاسيس الاسرة هما تعبير عن ميل ذاتي وطبيعي مكنون ايدته جميع شرائع السماء والاديان الالهية بخاصة الدين الاسلامي المبين. فالاسلام حث المسلمين وجميع من يتبع هذا الدين على الزواج وشجعهم على تكوين الاسرة،حتى جاء عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) قوله: «ما بني بناء في الاسلام احب الى الله عز وجل من التزويج»(الوسائل، ج 14، ص 3).
يبرز الزواج من بين احتياجات الانسان الاساسية على مر التاريخ، ومن ثم يعد اضعافه والنيل من شانه امرا غير معقول تماما، وبعيدا عن السنن الاجتماعية الصحيحة.
الشخصية الاسلامية للمراة


في رؤية الاستاذ جعفري
ا. آسية فيروزهجى
ما نسب الى الامام علي(ع) من قول في شان المراة
تطرقت مئات الايات والروايات الى المنزلة الرفيعة للمراة، والى ما لها من حقوق في المجتمع المسلم، وتمثل ذلك في سيرة النبي(ص) وسير الائمة(ع) العملية. ولكن، هناك، والى جانب هذه الايات والروايات الكثيرة، بعض الروايات التي نالت، حسب الظاهر، من عقل المراة وايمانها، حتى على فرض كون المراد منها بعض النساء. ولعل اصرح ما يدل على ذلك - الى جانب الروايات الاخرى التي تشيد بمكانة المراة وتكن لها الاحترام - ما روي عن امير المؤمنين(ع)، في مقاطع من كلامه، من قول هو: ان النساء ناقصات العقول والايمان.


وسوف نسلط الضوء، في دراسة هذه الرواية وتحليلها، على ما ذكره، الاستاذ العلامة محمد تقي الجعفري؛ في تفسيره للخطبة الثمانين من نهج البلاغة، معتمدين الايجاز والاختصار؛ وذلك بعد الفراغ من البحث في صحة السند وامانة النقل وعدم التحريف.


والمقطع الذي نريد الحديث عنه، من كلام اميرالمؤمنين(ع)، ورد في خطبة طويلة له(ع) عند عودته من حرب الجمل؛والمعروف ان تلك الحرب كانت بقيادة ام المؤمنين عائشة ضد العدل العلوي، وقد استغلت فيها انوثتها وكونها حليلة رسول الله(ص)، فاثارت الفتنة وكانت سببا في اراقة الدماء في حرب داخلية بين المسلمين ادت الى اضعاف كيان الحكومة الشرعية للامام علي(ع).
ويرى بعض العلماء ان هدف الامام(ع) كان الفات انظار الراي العام الى نقاط الضعف الطبيعية والمكتسبة المتجسدة في شخصية عائشة، وما لعبته تلك النقاط من دور في اشعال نار الحرب واثارة الفتنة.


ويرى آخرون ان كلامه(ع) كان قد صدر في وضع خاص، فهو حادثة في واقعة لا تختص بذلك الزمان، وان فيه اشارة الى الفوارق التكوينية بين المراة والرجل المشتملة على نقاط الضعف والقوة في كل منهما.


ويرى بعض آخر: ان الامام(ع)، عندما عبر بنقص العقل والايمان، لم يكن في مقام تقييم المراة، وان التعبير بذلك ليس تقييما صرفا، بدليل انه(ع) اشار في كلامه ايضا الى نقص فرضها من الارث، وليس في ذلك دلالة على انتقاص شأنها مطلقا، وانما هو حكم اشتمل على نوع من تقسيم الاعمال والوظائف الاجتماعية بين المراة والرجل، اضافة الى ما فيه من تامين مصالح المراة، خصوصا ان لها، في التشريع الاسلامي، حقوقا اقتصادية، الا ان وظيفة تامين نفقتها تكون في عهدة ابيها اولا، ومن ثم زوجها، كما ان لها وظائف غير الوظائف الاقتصادية ايضا.
هذا، وقد ذكرت احتمالات اخرى في تفسير هذه العبارة.


وقد تابع الاستاذ محمد تقي الجعفري دراسة المسالة من حيث المبنى، مفترضا صحة العبارة وصدورها عن الامام(ع)في حرب الجمل، ونرى انه صار في صدد امكان ادراك صدور مثل هذا المعنى.
اسئلة تثيرها العلاقة بين الرجل والمراة.


ان تقسيم الانسان الى ماهيتين مستقلتين: رجل وامراة لغز له عراقته في تاريخ الشرق والغرب، وفي هذه الحالة لا بد من معرفة الاجابة عن الاسئلة الاتية: هل لهذا التقسيم، بلحاظ علم النفس وفقه الشريعة، محل للبحث والحديث، او ان الاسلام قد نظر الى المراة والرجل، بلحاظ كونهما من حقيقة واحدة، وبلحاظ ما لهما من ماهية مشتركة، وان الاختلاف في الاحكام والحقوق لا يبني مطلقا على القول بالاختلاف الماهوي بينهما؟ ولماذا عجز الشرق والغرب، طوال التاريخ البشري والى يومنا الحاضر، عن تصور علاقة اجتماعية معقولة بين الرجل والمراة؟ ولماذا وقعوا وما زالوا يقعون دائمافي شراك الافراط والتفريط؟!


ولماذا لم يحصل للانسان - وعلى الرغم من هذا التطور التقني كله وتعدد الصناعات واتساع نطاق السيطرة على الطبيعة - الوعي المتكامل والمطلوب بالحاجات المنوعة والمشتركة لهذين العنصرين الاساسيين: المراة والرجل؟ ولماذا لم يحقق الانسان اهدافه في اصلاح العلاقات والروابط الاقتصادية والجنسية والحقوقية... الخ؟! ولماذا بقيت هذه المسالة الى يومنا الحاضر على مستوى اللغز؟ ولماذا تفاقم هذا اللغز وازداد تعقيدا بعد اختراع الاجهزة المعقدة اكثر فاكثر؟!وهل يامل احد بامكان اكتشاف العلاقة الشفافة التي تحفظ للرجل والمراة حقوقهما؟ وهل بامكانه حل اللغز القديم والعريق، وهو يعيش في عالم فيه امثال هيوم((330)) الذي انكر العلاقة الضرورية للعلية، واصلها الذي هو من اكثرالحقائق وضوحا، والذي افترض عدم وجود الحقائق بداهة، لمجرد انه لم ير حبل الوصل ممدودا بين العلة والمعلول؟!


ولماذا عجز الباحثون عن تفسير وجود المراة ووجود الرجل في وجود الانسان - الحقيقة المشتركة - من دون ان يتنكراحدهما لوجود الاخر؟ ولماذا لا يرغب احدنا في الاعتراف رسميا بوجود الاخر، مع هذه الفوارق بلحاظ ما بينه وبين الاخر من الاختلاف في الذكورة والانوثة؟


العلاقة بين الرجل والمراة في الثقافة الغربية
وهلا ادركنا ما تركه الدور المخرب للتفاسير - المادية والعلمانية -للانسان والحيوان - التي قدمها امثال: كامووشوبنهاور وتوماس هوبز((331)) وهيوم وابي العلاء المعري - من تاثير على السير الصعودي والتكاملي في حياة الرجال والنساء، وما ترك من اثر في بلوغهم قلل الكمال؟


ولماذا لا تصغي الحضارة البشرية لاسمى نداء في الحياة، الا وهو نداء العدل والحق والشعور بالمسؤولية وتبديل الحياة العادية والطبيعية بحياة روحية والهية؟!


لقد تنزلت العلاقة بين الرجل والمراة، في الثقافة الغربية، لدى امثال «برتراند راسل»((332)) الى حد اضحت فيه اهون من شربة الماء، وعلى ضوء هذا الفهم الفت الكتب والمقالات ورسائل التخرج، ولكن بعد عدة عقود من التجربة اخذت تظهر وبوضوح آثار الوصول الى طريق مسدود وعلاماته.


ان تاريخ العالم مليء بالمفكرين المخفقين - الذين بادوا وتناست ذكرهم الايام - والذين تلاعبوا بحياة المراة والرجل وسخروا منهما عقودا او قرونا من الزمن، خصوصا وان بعض تلك الفلسفات والنظريات - التي طبل لها كثيرا - هي افرازات لعقد نفسية واحداث غير طبيعية عاشها الفيلسوف في مراحل طفولته او شبابه، فمثلا - وانموذجا لذلك الفيلسوف «اوغست كونت»((333)) مؤسس النظرية الوضعية في انكار المعرفة التامة الذي هاجت به المشاعر والاحاسيس، فاسس فلسفة اساسها المشاعر بدلا من فلسفة العقل، وذلك على اثر علاقة غرامية له مع السيدة «كلوتلددوو»، فعدل عن نظريته، حتى انه ادخل الاحاسيس والمشاعر في العلوم الانسانية.


او الفيلسوف الالماني «شوبنهاور»، صاحب المذهب التشاؤمي، الذي استبدل حقده بفلسفة شاد صرحها على النظرة التشاؤمية، وفجاة اضحت الثقافة المعادية والمناوئة للمراة وثقافة العبادة الغريزية والشهوة على طرفي نقيض، فهما بين افراط وتفريط.


لقد تناسى هذا المنظر - الذي يرى ان عشق النساء والارتباط العاطفي بهن شبيه بشرب قدح من الماء، ما جعله يجيزذلك بلا ضابطة او قاعدة - ان المراة بمثابة القناة تمر عبرها الاجيال الجديدة الى الحياة، انه اراد ان لا يكون في هذه القضية الحساسة اي قيد او شرط، فهو لا يبالي كيف، وباي نحو، لا بد من ان يولد هذا الانسان، ولذا فان الفيلسوف المذكور رفض ان تكون هذه القضية خاضعة للقيم، او لاي شرط او قيد او ضابطة عامة من اجل الغاء الطريقة الطاهرة للانجاب التي هي محور خلق الانسان الجديد، كما انه هزى بعفة الاجيال التي تاتي من بعده وشرفها؛ وذلك انه لماتكون بوابة دخول الانسان الى عالم الدنيا الى هذا الحد من الفوضى وعدم الانضباط واللامسؤولية فان بوابة خروجه من هذا العالم سوف تكون كذلك ايضا.


وهذان المنظران المتطرفان قد اسسا نظريتيهما على اساس حادثتين شخصيتين: احداهما مبنية على حب المعشوقة،والاخرى على بغض الام والحقد عليها، وقد صارتا منشا الخلط والاضطراب في شان المراة ومالها من حقوق في المجتمع الغربي، ولذا تجدهم في الغرب - وعلى ضوء ما تقدم من الافراط والتفريط - يضعون على ضوء ذلك اصول السياسة ويدونون القانون ويؤسسون النظام ويشكلون الاسرة، وفي النتيجة، صار الانسان الغربي يواجه، على هذاالاساس، انواع المشاكل والاضرار المادية والمعنوية، الدنيوية والاخروية.


والملفت للنظر ان «كانت((334)) وشوبنهاور»، وعلى الرغم من اصدارهما احكاما متناقضة في شان المراة، قد لحظا فيهاجانب الجمال الظاهري والجانب الغريزي والجنسي فقط، فصارا يبحثان عن الجمال في الغريزة الجنسية من دون ملاحظة الجوانب الاخرى في المراة وتقويمها، ومن دون معرفة وجود استعداد وقدرات لديها او عدم وجود ذلك.


قال منظر غربي: «ليست المراة جنسا لطيفا، والاصل في جمالها مبني فقط على وجود الغريزة الجنسية والخلاعة فيها،والا فهي فاقدة للذوق الفني ولا قدرة لها على تقييم انواع الفنون، كما انها تغالط في فهم اغلب الحقائق...». وهذا، كما لايخفى، تطرف في تحليل بعض الوقائع والحقائق.


وفي هذا السياق يدرج قول احدهم: «ان المراة انما خلقت لاجل الانجاب فقط، ولا يرجى منها بلوغ درجات الكمال العلمية والعملية والاخلاقية»، وقول آخر: «ان الرجال - ومن خلال ادراكهم لمختلف العلوم والفنون وسائر الامور، او من خلال ما لديهم من قدرة التصرف في ذلك - هم في صدد فرض سيطرتهم التامة والمباشرة على الامور. اما هدف المراة الوحيد فهو فرض السيطرة على الرجل، حيث انها تستعمل كل شيء وسيلة في مواجهة الرجل».


وقول غيره: «ان السبب في احترام الناس وتقديرهم للمراة هو تلك السبل والمناهج الرومانسية الخيالية وغير العقلائية المتاثرة بتعاليم الاديان التي لم تسمح للبشرية بان تدرك وتتفهم صغار النساء وذلتهم...»((335)).


ان كل ما ذكره هؤلاء هو تطرف في تفسير بعض الوقائع والحقائق وتحليلها.


وهكذا نرى ان نظرية «اصالة الشهوة» قد تلاعبت بالحياة والانسان منذ الولادة حتى الممات، وصارت تبيح الحروب واراقة الدماء والاعتداءات، وتكره الاجيال اللاحقة على ارتكاب الزنا، ذلك ان الاجيال الفاقدة لمسوغ الدخول الى عالم الحياة، والفاقدة لهوية شخصية - والتي تكون قد دخلت عالم الحياة بلا ضابطة - سوف لا تكون ملتزمة او مقيدة باي ضابطة من ضوابط الحياة.


ان من المؤسف جدا ان يقوم من ليس له معرفة صحيحة بالانسان باعداد برنامج لحياة الانسان وما يرتبط به من علوم انسانية، اذ ليس ذلك الا بداية الكارثة.


فهل بامكان الذين يغرسون، في نفوس النساء، امل صيرورة المراة رجلا، ان يهدوا للنساء الامل في ان تكون المراة ك «جنكيز ونيرون»((336))، وهو الامل الذي لا يتوافر الا في الرجال؟


الفوارق الطبيعية بين الرجل والمراة
ولنر، الان، هل هناك فوارق اخرى بين الرجل والمراة يمكن تحليلها والنظر اليها بمنظار واقعي ام لا؟


لقد ثبت، في علم النفس، وبشكل عام، اختلاف نظرة الرجل ورؤيته الى الواقع والحياة، ومن عدة جهات، عن نظرة المراة ورؤيتها، فان كان الرجل ينظر الى الواقع المعيش بما لديه من حواس وبالعقل النظري، فالمراة تنظر اليه بما لديهامن قوة واستعداد باطنيين، اذ كثيرا ما تتمتع رؤيتها بنوع من العلم الحضوري والشهودي، في حين ان نظرة الرجال الى الحياة تكون بوساطة العلم المكتسب.
فالرجال الذين يرون الى الواقع بالعقل النظري يكون لهم اهتمام بردود الفعل تجاهه، اما النساء فينظرن الى الحياة بشكل مباشر ومن دون وساطة، كما انه من الممكن ان تكون لدى الرجل معلومات كثيرة عن الواقع وتصورات عديدة له، اماالمراة فبامكانها ان تتذوق طعم الحياة وتتحسسه في قرارة نفسها بشكل اكثر يسرا وسهولة.


وان كان الرجل ينظر الى الحقائق بمرآة العقل، فالمراة تنظر الى تلك الحقائق بمرآة الباطن والذات (ومن دون وساطة شيء)، ولعله لذلك نجد في التاريخ امراة مثل «كليوباترا»((337))، قبالة الالاف من الرجال امثال جنكيزخان ونيرون وآتيلا، كانت تلتذ وتستمتع بغرز الابر ووخز الدبابيس في صدور جواريها، حتى انها صارت مضربا للمثل في ذلك.


لقد امتلات الدنيا - التي تكون نظرة الرجال فيها الى الواقع نظرة عقلية بحتة - بكبار الجناة من الرجال، اما دنيا النساءفهي دنيا الشهود والعاطفة، فان اردنا ان نجد نماذج من النساء سودن صفحات التاريخ فلابد لنا من بذل الجهد في البحث عن ذلك.


ان المراة تحاول ان تخلص في عشقها للرجل، انها تقدم اليه نفسها وكل ما تملكه في طبق من الاخلاص. اما الرجل فمهما كان عاشقا فهو لا يبلغ تلك المرتبة التي للمراة من الاخلاص في العشق، ذلك ان العقل هو الذي يتحكم في عشقه، فيحجم من ذلك الاخلاص ويقلصه.


نعم، قد نشاهد احيانا، وفي مراحل خاصة من الحياة عشاقا من الرجال، الا انه لا يمكن عدهم من كبار العشاق، وذلك لانهم لم يستسلموا دفعة واحدة حتى لو كانوا في اشد حالات الوله والشغف، فان وجدتهم قد ركعوا بين ايدي معشوقاتهم فما قصدهم بذلك الا استغلال عواطف تلك المعشوقة وصولا الى رغباتهم، اذ هم لا يرون الا انفسهم،وليست المراة، بالنسبة اليهم، سوى شيء من الاشياء. كما ان الرجل يريد ان يدغم وجود المراة بوجوده، فهو غيرمستعد ابدا للتضحية بوجوده دفعة واحدة من اجل ان يفني وجوده في وجودها. واما المراة فانها تبلغ بالعشق درجة من الاخلاص تنسى فيها - وبكل بساطة - شخصيتها، وتفنى في ذلك العشق، وانها من دون ذلك لا يسعها الاعتماد على وجودها والثقة بنفسها ولا يقر لها قرار. وهذا امتياز كبير تكون المراة قد حازت عليه قبالة الرجل، وهو امتياز طالما تغلب على ما امتاز به الرجل من تضلع واسع في العقل النظري التجريدي، وهكذا نرى ان عشق المراة لم يخسر المعركة ابدا، خصوصا وان المقدرة العقلية وقوة الاستدلال لدى الرجال ليست امتيازا وفضيلة من فضائلهم، كما انه ليس معنى النشاط العقلي التجريدي - الذي يزاوله دماغ الرجل، وحجم الجمجمة وثقل الدماغ، ووفرة العقل النظري للرجل - هوالقرب من ساحة الحقيقة المتعالية او الادراك الافضل للواقع، بل يمكن القول: ان ادراك الرجل، في بعض الحالات، يختلف عن ادراك المراة تماما على الرغم من الادراك المشترك بينهما للامور في كثير من المجالات، بمعنى ان كلا من المراة والرجل يصل الى حقيقة او نتيجة واحدة لكن بسلوك طرق مختلفة، فان كان الرجال يسلكون الطريق العقلي بكل بساطة، فان بامكان النساء ان يسلكن الطريق الشهودي بتلك البساطة والسرعة نفسيهما.


ثم ان الرجال والنساء يشتركون في الانسانية وفي التقييم الالهي، فهما - ومن دون اي شك - متساويان عند الله تعالى وعلى حد سواء، وان وضع الفوارق الطبيعية الموجودة بينهما على حساب المبادى ء والقيم لا يستقيم ابدا مع التعاليم الاسلامية، وذلك:


1 - قال الله تعالى: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم)[الحجرات:13].


2 - وقال تعالى: (فاستجاب لهم ربهم اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر وانثى) [آل عمران:195].


3 - وقال عز من قائل: (ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات اعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما) [الاحزاب:35]. فالاسلام - وكمالاحظنايرفض، وبكل صراحة، التمايز بين الرجل والمراة، سواء كان ذلك من حيث القيم ام من حيث الهوية والجنس، كما انه لم يفرق بينهما من حيث الماهية وبلوغ درجات الكمال الانساني، كما يرى الاسلام ان اهانة المراة وتحقيرهاعمل مخالف لصريح آيات الكتاب العزيز.


علاقة انسانين متمايزين ومتساويين
ولنلق نظرة الى البعد الاخر من ابعاد المراة والرجل، اعني علاقة هذين الانسانين المتساوي احدهما مع الاخر بلحاظ كونهما جنسين مختلفين ومتمايزين:


ولا نريد الدخول في البحث مع المنكرين لضرورة تشكيل الاسرة واهميتها في المجتمع، كما لن نتعرض الى من ينظرالى علاقة المراة بالرجل من المنظار الجنسي والشهوة المؤقتة طالبا في ذلك اللذة الجنسية؛ حيث اننا نرى ضرورة تشكيل الاسرة ليس بقصد اشباع الغريزة الجنسية وطلب اللذة فقط، ولا لاجل انعقاد النطفة من المائين (اسپرم +اوول)، بل من اجل التمهيد للبذرة الاولى في المجتمع التي تكون سببا في ازدهار المشاعر والاحاسيس الانسانية والعقل، فلا بد، في هذه الحالة، حينئذ من ان يكون النظر والاهتمام موجهين الى الاسرة.


ولنبحث، الان، وضع المراة والرجل بلحاظ تاسيس الاسرة والتركيبة العائلية، وايضا بلحاظ نوع العلاقة بينهما وعلاقتهمامع ابنائهما ومع سائر الاسر الاخرى من طبقات المجتمع، ويمكن ان نتصور فروضا اربعة لتقسيم الوظائف بين المراة والرجل في نطاق الاسرة والمجتمع وفي كيفية ادارتهما لتلك الوظائف:


1 - ان تكون لكل من المراة والرجل ادارة لشؤون الاسرة مستقلة عن ادارة الاخر، فيدير كل منهما شؤون الحياة جميعهافي استقلال عما يديره الاخر، ومعنى هذه الفرضية تهديم اركان الاسرة، وحصول التزاحم في الادارة الى حد يسود فيه الهرج والمرج الذي هو منشا المشاكل جميعها.


2 - ان تكون المراة هي المتصدية لادارة امور الاسرة جميعها، خصوصا من حيث علاقاتها مع المجتمع والطبيعة، وعلى الزوج، في هذه الحالة، ان يجلس جانبا لتاتي المراة برغيف العيش لنفسها وله ولاولادهما، متحملة، في سبيل ذلك، مختلف انواع المشاكل والمصاعب (الاقتصادية والاجتماعية) القاصمة للظهر، بل عليها ان تسعى في طلب ذلك وتامين رغيف العيش حتى في مراحل الحمل، او في المراحل التي تليه، من قبيل الارضاع والعادة الشهرية وتربية الطفل. ومع ذلك كله يكون الرجل متنحيا جانبا من الدار، والمراة تعمل في مختلف المجالات، فتجلس خلف مقود الشاحنات والساحبات الثقيلة، مثلا، وفي ورشات الحدادة والبناء وغير ذلك... وهذه الفرضية تضحك الثكلى، وفيها نوع كبير من الظلم للمراة، اذ كيف يصح ان يجلس الرجل جانبا مع ما لديه من قدرة بدنية وعصبية على مواجهة المصاعب الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وتحملها، ومع ذلك كله يجلس ليدبر شؤون الطفل الذي هو اشد ما يكون بحاجة الى عناية ورعاية من الام، وقد يتعذر على الاب توفيرهما له؟!


3 - ان يكون الرجل هو الكل في الكل، فهو سيد العائلة وربها، يتصرف كيف يشاء كالملك المستبد، ويفرض سلطته على اساس الهوى وحب النفس من دون لحاظ شخصية سائر اعضاء الاسرة وحقوقهم، وهذا ايضا ظلم صريح للمراة والاسرة.


4 - وهذه الفرضية قائمة على اساس توزيع الوظائف والاعمال بشكل اخلاقي معقول وعادل بين المراة والرجل،باعتبارهما انسانين شريكين في الحياة لكن مختلفين، فتكون ادارة الاسرة ادارة قائمة على اساس التفاهم والتشاور، بمعنى ان يكون كل واحد منهما متكفلا باداء بعض الوظائف الحيوية - سواء كانت مادية ام معنوية - المتجانسة مع قواه وقدراته البدنية والنفسية والعقلية - وتعد اناطة ادارة الامور الاقتصادية للاسرة بالرجل مهمة صحيحة، لكن هذه المهمة منوطة بحسن اداء الرجل لها والقيام بها على اساس العدل والتقوى لا على اساس الميول والرغبات الشخصية، وهذاالشرط لابد منه حتى في الاسر التي يكون قد بلغ اعضاؤها وابناؤها حدا كافيا من الكمال والرشد العقليين.


وتنعكس نتيجة التشاور (الشورى) بين افراد الاسرة على البعد العملي والاقتصادي الذي انيط بالرجال متزني السلوك،وهذا عبارة عن القيمومة التي تحدث عنها الله تعالى في كتابه العزيز، فقال: (الرجال قوامون على النساء) [النساء:34]. فالقوام بمعنى المباشر والمتصدي والمدير والمسؤول، وفيه اشارة الى المسؤولية الخطيرة التي القيت على عاتق الرجل، كتامين المصلحة الاجتماعية والاقتصادية للزوجة والاولاد، وهذه القوامة لا تتنافى مع الامر بالتشاور (الشورى)، الذي امر به الكتاب العزيز، بين المراة والرجل في امور الاسرة وحتى مع قيام الرجل بوظيفة تدبير معاش الاسرة بمفرده.


لقد جعل الاسلام الرجل المدير التنفيذي في تدبير الامور المعيشية للاسرة، وقد اوجب عليه التشاور مع المراة، وليس المراد بذلك المعنى المذموم للقوامة التي يكون الرجل فيها هو القيم والمسؤول، والمراة اسيرة وجارية عنده.


ولا يصح القول، ايضا، وعلى وجه الاطلاق: انه لا مشورة للنساء، او انه لماذا اوصى القرآن [البقرة:233] و[آل عمران:159] بالمشورة بين المراة والرجل في (باب حضانة الطفل)، فاستعمل تارة لفظ التراضي واخرى لفظ التشاور؟


والجواب عن ذلك هو ان يقال: ان الاسلام لم ينف امتلاك المراة للعقل الاجتماعي وصلاحيتها للتشاور، وانه لم يسلب هذه المهمة - الامر بالتشاور حتى في الموارد التي نهى فيها عن مشاورة المراة (اي امراة كانت) في الامورالاجتماعية عن الكثير من النساء الممتلكات العقل الراجح، وان كان قد استثنى، فلم يستثن سوى بعض النساء الفاقدات للحس الاجتماعي وغير المؤهلات لهذه المهمة، والا فالاسلام لم يسلب ذلك عن النساء الصالحات للمشاورة. قال اميرالمؤمنين(ع): «اياك ومشاورة النساء الا من جربت بكمال عقل»، وكلامه(ع) صريح في ان للكثير من النساء عقلا راجحا ومجربا للمشاورة في جميع الامور الاجتماعية، ومن هنا اوصى بالتشاور معهن، خصوصا وان الامر بوجوب الشورى في مثل قوله تعالى: (وامرهم شورى بينهم) او (شاورهم في الامر) [الشورى:38] لم يكن ليختص بالرجال، بل يشمل عامة المسلمين من رجل وامراة، [آل عمران:159] وذلك لان الفاقد للعقل لا يمكن ان يقع طرفا للمشاورة. اذا لا بد من الدقة والتامل في تعبير «ناقصات العقول» وفهمه فهما صحيحا مع مراعاة جوانبه جميعها.


سوء فهم الايات والروايات
وينبغي التذكير، ايضا، بانه ليس لبعض التصرفات الجائرة، في حق المراة، والتي تمارس في بعض الاسر المسلمة، اي منشا ديني، وهي بعيدة عن التوجيه، ولا يمكن اسنادها الى الاسلام في اي حال، ومطلقا. وان كان بعض الجهلة والعوام يظنون، احيانا، ان الاسلام اجاز مثل تلك التصرفات كالاهانة والتحقير او الظلم، فذلك يعود الى سوء فهم الايات والروايات، الناشى ء عن تفسيرها بالراي، ولذا فهم لا يعدون انفسهم عصاة بايذائهم المراة والجناية عليها.


1 - القوامة
اما الايات التي اساؤوا فهمها وفسروها بذلك، فهي من قبيل الاية 34، من سورة النساء، في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء)، حيث ذكروا للاية عدة تفاسير منها: ان القوامة، في الاية الكريمة، ليست بالمعنى الحقوقي للقيم، بان يكون للانسان خيار التصرف في مال الغير، او رعاية شؤون حياته، كالولاية على المجنون والصغير الخ... فان الرجل لايكون قيما على المراة بهذا المعنى، وذلك لان الاسلام منح المراة الحرية والاختيار التام في الملكية، كما انه منحهاالاستقلال التام في مزاولة سائر الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والاخلاقية الخ...، نعم تكون المراة ملزمة ومقيدة في بعض الموارد برعاية ما يكون منافيا لحقوق الزوج طبقا لما توافقا عليه في عقد النكاح الشرعي.


كما ان الرجل ايضا - بلحاظ كونه انسانا وزوجا - يكون مكلفا برعاية حقوق الزوجة، وهو حر في غير ذلك وغير مسؤل تجاه الزوجة، اذا فالتزام كل من الزوج والزوجة ما هو الا عبارة عن الوظائف المنوطة بكل منهما تجاه الاسرة.


فما معنى القوامة اذا؟ انها ليست بمعنى تامين مصالح الاسرة ومنافعها والقيام بالوظائف الاقتصادية وادارة شؤون العائلة، ولا بمعنى الملكية او الولاية المطلقة من جميع الجهات والحيثيات، انها مسؤولية ووظيفة ادارية، تلك المسؤولية ناشئة من الفوارق «الفسلجية» والنفسية الموجودة بين الرجل والمراة.


القوامة، اذا، علة طبيعية، وليست حصيلة عقد جائر، او امتياز ذي قيمة فريدة، حصل عليه الرجل، بل هي مسؤولية انيطت به؛ بسبب قدرته على مواجهة حوادث الحياة وما فيها من موانع طبيعية واجتماعية، ولما يبذله من جهد في سبيل تامين المعاش، وذلك كله يختلف عن قدرة المراة على مواجهة هذه الامور بالخصوص. ومن هنا قال تعالى، في توضيح هذه القوامة - مشيرا الى هذا النحو من التفاضل والتمايز بين المراة والرجل الحاصل من هذه الجهة: (بما فضل الله بعضهم على بعض) [النساء:34] فان هذا التفاضل ليس تفاضلا من حيث القيم، بل هو تفاضل طبيعي، وهو السبب في التمايز في حال توزيع المسؤوليات والوظائف بين المراة والرجل، ولذا يقول تعالى في تتمة بيانه للتفضيل: (وبماانفقوا من اموالهم)، ومعنى ذلك ان القوامة ترتبط بقضية النفقة وبمسؤولية الرجل الاقتصادية تجاه اسرته، ولكي لا يساءفهمها، ولا تفسر بانها فضيلة مبدئية للرجل، وكي لا يكون في ذلك نوع من التحقير لشان المراة والحط من مكانتها اردف تعالى بعد ذلك بقوله: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب...)؛ حيث صرحت هذه الاية بان للمراة قيمتها ومكانتهاالانسانية اللائقة بها، ووصفتها باعظم ما يمكن من اوصاف الكمال العرفاني والالهي، الا وهو القنوت والصلاح...
وقال الله تعالى، ايضا، قبل ذلك بيتين مخاطبا الرجال والنساء: ينبغي ان لا تكون الخصائص والميزات في كل منهماسببا في شعور الاخر بالنقص والضعة فيكون ذلك داعيا لان يتمنى كل منهما مكانة الاخر وموقعه، قال تعالى: (ولاتتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) [النساء:32].


وفي ذلك تصريح رباني بانه لا ينبغي للرجل، او المراة، عد الفوارق الطبيعية التي بينهما ونقاط القوة التي يتميز بها كل منهما نوعا من الامتياز والفضيلة والتفاضل الالهي، بمعنى انه تعالى اوصى الرجال والنساء، في هذه الاية، بان على كل منهما معرفة قدر نفسه والتعرف الى مسؤولياته وما لديه من امكانيات وقدرات، ولا يتمنى ان يكون مكان الاخر.


ثم اشار الحق، سبحانه وتعالى، الى ضرورة استقلال شخصية كل من الرجل والمراة، فقال عز من قائل: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)، وخاطب الحق، تعالى، في ذيل الاية الشريفة الرجال والنساء بان يسالوا اللهجميعا من فضله ورحمته؛ لانه بكل شيء عليم، فقال جل شانه: (واسالوا الله من فضله).


لقد حذرت الاية الكريمة الرجال، بصراحة ووضوح، من تمني ما للنساء من خصائص وميزات، وكذلك حذرت النساء من تمني ما للرجال من صفات ومواهب رجولية، كما انها ذكرت بان الفوارق الطبيعية والتفاضل التكويني «الفسلجي» والنفسي اللذين يتمتع بهما كل من الرجل والمراة، او النقائص المودعة في كل منهما التي يمكن ان تتكامل وترتفع بمساعدة الجنس الاخر ومعونته، ان تلك الفوارق جميعها لا يمكن ان تكون داعية للفضيلة والقرب من الله، وانه لا اثرلها لا في زيادة الانسانية، ولا في نقصانها، في وجود كل منهما.


وان المناط او الملاك، في قيمة كل منهما ومكانته، هو مقدار تعرفه الى مسؤولياته ومدى تقواه في العمل بوظائفه والتزامه بها قبالة الاخرين؛ ذلك ان الخصائص والميزات التي يتمتع بها كل من الرجل والمراة - بما فيها من نقاط قوة وضعف - لا يمكن ان تكون ملاكا في القيم والمبادى الاسلامية، وهذا هو الشعار الذي رفعه القرآن الكريم، الشعارالقائل: ان اختلاف الجنس - ومايتبع ذلك من لوازم وآثار - لا يمكن ان يكون دليلا على تكريم احد الجنسين او قربه من الله تعالى وبعده عنه، وان ذلك كله ليس كمالا او نقصا ذا قيمة وبال، خصوصا وانا لم نجد في القرآن الكريم باسره ولاحتى كمالا معنويا واحدا، او فضيلة خلقية مثالية، من مختصات الرجال وحدهم، بل الامر اما عام ومطلق او فيه تصريح بعدم الاختصاص.


قالوا: ان معنى قوله تعالى: (ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى) [النجم:39و40] ان الانسان - رجلا كان اوامراة - لا يملك لنفسه شيئا، لا من الامور المادية او المعنوية الا ما سعى في طلبه وتحصيله، وانه سوف يرى نتيجة سعيه قريبا جدا، وهذا دليل على الغاء الفوارق جميعها من قاموس الدين الحنيف. وهذا يعني اننا لا نجد آية، في كتاب الله الكريم، تقضي بثبوت قيمة او مكانة انسانية خاصة للرجل من دون المراة، فان سلطة المدير التنفيذية - التي تكون مقرونة بالمسؤولية وبعض القيود في مجال خاص كالنفقة - ما هي في الواقع الا نوع من العمل والوظيفة الخاصة، بمعنى ان ادارة شؤون الاسرة ليست الا عبارة عن تقسيم الاعمال بسلوك منهج التشاور والشورى.


ولنر، الان، ما هي الطرق الاخرى المتصورة في هذا المقام؟
اولها: ان تكون المراة صاحبة النفوذ والسلطة المطلقة في الاسرة، ومعنى ذلك تعطيل قدرات الرجل ومواهبه جميعهاوتنحيه جانبا. وعواقب هذا الامر الوخيمة تسري الى افراد الاسرة جميعهم وتترك اثرا مباشرا على الابعاد المادية والمعنوية للاسرة وعلى علاقاتها في ما بين افرادها ومع المجتمع، وهذا ما يؤدي الى اختلال امور الاسرة والى الاضطراب النفسي والعصبي للرجل (رب المنزل) المخفق، ومن ثم الى الاضطراب والتوتر العصبيين والنفسيين لجميع افراد الاسرة.


وثانيها: هو ان تكون للرجل سيادة مطلقة، وفي ذلك، ايضا، اهانة للمراة وتحقير لها قد يؤدي بها الى الغاء مواهبها الذاتية وتحطيم شخصيتها.


وثالثها: ان تتولى المراة امور الرجل وجميع ما يختص به، ويتولى الرجل كذلك امور المراة، وفي ذلك، ايضا، جفاء،وبخس لحق الطرفين، اضافة الى ما يتسبب به من اثارة مشاكل جديدة في الحياة الزوجية.


فالطريق الوحيد الذي امامنا، اذا، هو الطريق الذي اقترحه الاسلام للاسرة، وهو عبارة عن تبادل الحقوق بين المراة والرجل، والاحترام المتبادل القائم على اساس الحب والود للاسرة، وتوزيع الوظائف بشكل معقول وودي على ضوءالمواهب والقدرات الطبيعية لكل منهما، والشعور المتبادل بالمسؤولية بان يكون الرجل متكفلا باستمرار العلاقات والروابط الاقتصادية وادارة شؤون الاسرة وجميع ما يتعلق بالمجتمع، معتبرا ذلك نوعا من التوظيف الشرعي والاخلاقي، من دون اقتران القيام بهذه الوظيفة بالعصبية او التكبر او الاكراه والمن على اسرته، بل على الزوج ان يكون واسطة في نقل تجارب الحياة الاجتماعية الى اسرته، وعلى المراة ايضا ان تشعر - وبرغبة ووعي تامين - بان وجودزوجها جزء لا يتجزء من شخصيتها، وان على الرجل والمراة ان يعملا وفق منهجين محددين من المناهج في العلاقات الاجتماعية، معتبرين الاسرة غربالا يغربلان به تجاربهما التي اكتسباها من المجتمع.


ان الاسلام، وكما راينا، يرفض اي نحو من انحاء فرض النفوذ والسلطة في الاسرة، فهو يرفض اعمال الرجل نفوذه وتحكمه، كما يرفض اعمال المراة نفوذها وسيطرتها كذلك. وان ما يرتضيه ويدعو له هو نفوذ شخصية الانسان بما هوانسان واحقاق الحق والعمل بالوظائف والتكاليف، واعترافه بان المناط في تكريم ابن آدم في الاسلام هو التقوى،فالاسرة التي فيها امراة تقية وصالحة ورجل تقي وصالح هي اسرة سعيدة، وان الدور الذي تؤديه المراة في هذا المجال مهم للغاية. ولعله، لاهمية ذلك، صار هذا الدور مضربا للمثل في بعض المجتمعات، ومن ذلك المثل القائل: «بامكان المراة العاقلة والكيسة اصلاح الرجل الاحمق وجعله عاقلا، ولكن ليس بامكان الرجل العاقل الكيس اصلاح المراة الحمقاء».


هذا هو انموذج من التفاسير التي اسيء فيها فهم الاية الكريمة؛ حيث فسرت القوامة، وهي بمعنى المسؤولية المالية والادارية للاسرة، بمعنى امتلاك الرجل للمراة وسلطته عليها.


2 - النشوز
وهناك انموذج آخر لتفسير اسيء فيه فهم آية كريمة، وهو مذكور في بحث نشوز المراة؛ اذ فسر بعضهم تلك الاية (آية  النشوز) بمعنى جواز استعمال الشدة والقسوة مع المراة، وهذا ظلم عظيم في حق القرآن، في حين ان الاية تشير الى تنكر بعض النساء لمسؤوليتهن تجاه ازواجهن، وهن النساء اللاتي لهن طلباتهن الخاصة، لكنهن لسن على استعداد لاداءوظائفهن في المقابل؛ حيث انك تجد الواحدة منهن تعمل خلاف ما توافق عليه الزوجان في العقد، وتظلم زوجهاجنسيا، قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبغواعليهن سبيلا) [النساء:34]. فالاية ترشد الزوج الى نصح الزوجة الناشزة التي لم ترع حقوق زوجها الجنسية والمشروعة لغير عذر ووعظها، فان استمرت في تعنتها وتمادت في ظلمها، ولم يؤثر فيها الوعظ والارشاد كان للزوج هجرها وترك مضاجعتها، فان لم ينجع كذلك جاز له - شرعا - استعمال نوع خفيف ومشروط من التعزير.


ولم تقترح الاية طريقا آخر للزوج كتشديد العقوبة وظلم الزوجة فيما لو لم تستسلم له، كما لو تمادت في ظلمه، وتركت العمل بحقوقه المسلم بها والثابتة.


هذا، وقد ظن بعضهم ان الاية الكريمة سمحت للزوج، وبمجرد ثوران الشهوة لديه وامتناع الزوجة عن التعاطف جنسيامعه، باستعمال القوة مع زوجته، في حين ان الاية الكريمة تشير الى جملة امور في منتهى الدقة، وعليه فلنر، اولا، ما هوالمقصود من النشوز والتمرد الجنسي في الاية الشريفة؟


فنقول: لو ان امراة رفضت مضاجعة زوجها (ممارسة العملية الجنسية) بسبب المرض او لطروء بعض الموانع الجنسية... فانه مما لا ريب فيه ان لا مجال لهذه الممارسة، ولا بد لها من مراجعة الطبيب للعلاج، وليس هذا من النشوز في شيء. وينبغي الا يكون الاقتراب الجنسي منها مضرا بها.


ولكن لو لم يكن للمراة عذر (طبي او غير ذلك) يمنع من المضاجعة، وكانت قد اصرت على هضم الحق المشروع للزوج بلا سبب، وكان قد ترتب على ذلك جملة من المفاسد، منها ظلم الزوج، فانه يجب على الزوج الرجوع الى الحاكم في حالة يكون النشوز والاعتداء على حقه قد بلغ حدا لا يمكن اصلاحه بشيء من التاديب داخل الاسرة بعد الوعظ والارشاد - على ان لا يكون التاديب المزبور بداعي الانتقام ولم يكن سببا في توسع الشقاق والخلاف - من دون استعمال القوة في ذلك، وبعد دراسة الحاكم الوضع النفسي والروحي للزوج والزوجة واخذ مصالح الاسرة بنظر الاعتبار يصدر الحكم المناسب.

التعليقات (1)

  1. avatar
    ghoufrana

    اشكر جميع اللدين ساهموا في هدا الموضوع الرائع بارك الله فيكم

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع