شارك هذا الموضوع

السيد محمد صالح العدناني (2)

ذكريات اللقاء والصحبة (2)
في عام 1992م بدأت الإعداد لكتابي الأول حول حياة الشيخ محمد جواد مغنية (1904-1979م) وكان من بين فصوله فصل حاولت أن أجمع فيه قدر جهدي ما كتب حول الشيخ مغنية من شعر ونثر، قصائد ومقالات. وأعترف بأن بضاعتي آنذاك كانت قليلة، لقلة مصادري، وصغر سني، ومحدودية التجربة. حين ذاك دلََّّني أحد المقربين –ولا أتذكره الآن-  على قصيدة كتبها السيد محمد صالح في رثاء الشيخ مغنية حين وفاته، وهي مثبتة في ديوانه "عرائس الجنان" .. في ذاك الوقت لم أكن قد سمعت بديوان السيد المذكور، فضلا ً عن بقية مؤلفاته، ولم أكن قد قرأت له شيئا ً من مؤلفاته الكثيرة، وإنْ كنت قد ألممت بشيء من أسماء كتبه فيما بعد، ولذا قلت: هي فرصة لأن ألتقي بالسيد مرة أخرى، ويكون اللقاء الثاني معه، وأطلب منه نسخة من ديوانه، وذلك بعد أن أعياني البحث عنه في المكتبات التجارية، والمكتبات الخاصة معا ً، وفي اللقاء أستطلع رأيه في الشيخ ، وفي أفكاره، وأسأله عن قصة قصيدته، وملابسات ذلك كله، وإذا كان قد التقى بمغنية.. وغير ذلك وبتفصيل، وأرى إن كان لديه الجديد لأضيفه للكتاب .. لأني كنت أبحث آنذاك عن كل شاردة وواردة حول حياة الشيخ محمد جواد مغنية.


طلبت من ابنه السيد كامل أن يرتب لي اللقاء معه، وأن يساعدني في زيارته، وأعلمته بغرضي من الزيارة، فرحّب بي، وذلك بحكم المعرفة والعلاقة التي تربط بيني وبين السيد كامل، ولعلمه بمدى اهتمامي بموضوع الشيخ مغنية والكتابة عنه، فقال لي: إن والده يرتب لياليه حسب زوجاته، وحين يأتي للسنابس يمكنك زيارته إن أحببت، ويفضل أن تأتي ليلا ً، لأنه في هذا الوقت يتواجد في غرفة الاستقبال (المجلس) غالبا ً .. حينها عرفت بأنه متزوج بأكثر من واحدة، وبأنه متعدد الزيجات، ولم أتعجب من ذلك، لما يتناهى لأسماعنا حول زواج الشيوخ بأكثر من واحدة.


وحسب الموعد الذي حدّدَه السيد  كامل، وليس السيد محمد صالح نفسه، ذهبت لزيارته في منزله الكائن في السنابس الشرقية(مني) وكانت الزيارة بعد صلاة العشاءين.. طرقت باب المنزل فخرج لي ولده السيد مصطفى، فأدخلني على أبيه حيث كان متواجدا ً في المجلس، وكان المجلس يطل على الطريق مباشرة.. طرقت الباب ودخلت عليه، وكان وحده..  جالسا ً على المكتب مستغرقا ً في الكتابة، منكبا ً على الأوراق وعلى مجموعة من المصادر والكتب المختلفة. وهنا أجدها فرصة لأن أُشهد الله على أني منذ أن عرفت السيد إلى حين آخر لقاء بيننا لم أدخل عليه مرّة إلا وهو يكتب، لم أجده يوما ً يأكل شيئا ً أو يقرأ أو يشاهد التلفاز أو غير ذلك.. على الرغم من ضعف بصره في آخر أيامه كان يستعين بمكبر غليظ ليعينه على القراءة والكتابة، وعلى الرغم من كبره ، وتقدم سنوات عمره كان ينكب على مكتبه الساعات الطوال ويدون ويكتب بلا توقف أو ملل أو نفور، كان يكتب كل يوم ثمان ساعات متواصلة وأحيانا ً متقطعة إذا كان مرتبطا ً ببعض الشواغل خارج المنزل، أو كان لديه مجلس حسيني، وربما أكثر من ثمان ساعات، ومع أنه حين ترددي عليه كان يبلغ من العمر 86 عاما ً إلا أني مع هذا وجدته وافر الصحة، نشيطا ً غاية النشاط في الكتابة والقراءة، لا يتوقف عنها يوما ً واحدا ً، لا يمل أو يبتغي الراحة والهدوء والدعة والسلامة، يكتب كأنه سيعيش أبدا ً، وهذا ما يفسر الغزارة الملفتة في عدد مؤلفاته، حيث يذكر السيد أنه كتب 111 مؤلفا ً، طُبع منها 50 مؤلفا ً، والباقي مخطوط ينتظر الطباعة، وقد اطلعت بالفعل على كتبه المخطوطة، والتي كان يحتفظ بها في شقته الكائنة بالسنابس، وأراني إياها وعرّفني على موضوعاتها وأفكارها.. أما ولده السيد رضوان الموسوي فيذكر في صدد الحديث عن والده أنه ألّف 150 كتابا ً في مختلف العلوم الدينية والاجتماعية والعلمية، وقد طبع منها أكثر من 45 مؤلفا ً ، والباقي ينتظر الطباعة.. ولا غرابة في هذا الكم من الكتب التي قام السيد بتأليفها، فالانقطاع للكتابة، وإعطائها الكثير من الوقت والجهد يثمر هذا العدد وأكثر منه، وعلى الأخص إذا تبين لنا أن السيد كان منقطعا ً للكتابة والتأليف، ومولعا ً بالقلم والورق منذ أربعين سنة ، وابتدأ الكتابة مبكرا ً، سواء في الشعر أو النثر، بل العجب كل العجب لو كانت كتبه أقل من ذلك، وهو الذي يكتب كل يوم بلا انقطاع، وكنت أسمعه كثير التذمر والاستياء والشعور بالغصة والألم لأنه يجد لديه عشرات الكتب المخطوطة والتي لا يتمكن من طباعتها لقلة ذات اليد !! وكان كثيرا ً ما يشكو أمامي من عدم قدرته على طباعة هذه المؤلفات، أو تبني بعض المؤسسات طباعتها .. بجانب هذا كان السيد لشدة تعلقه بالكتابة وحبه لها يشكو لي كثيرا ً ويتذمر بألم إذا صادف أن اضطر للخروج من منزله، وترك مكتبه لشغل ما، كزيارة ملحّة، أو قراءة مجلس ، أو تقديم واجب العزاء أو ارتياد مكتبة و غيرها من الواجبات .. في هذه الحالة تراه يعود بسرعة ولا يبقى خارج المنزل وقتا ً طويلا ً، وحين يعود إلى الشقة سريعا ً ما يخلع الثقيل من الملابس ويكتفي بالخفيف منها ويتوجه مباشرة إلى المكتب ليمسك بالقلم ويستأنف ما توقف عنده قبل انصرافه من بيته. وقد شهدته على هذه الحالة أكثر من مرّة، فهو حين يكون في البيت لا شغل له إلا الكتابة، أقول هذا عن عيان ومشاهدة، ومما كان يبعث الضيق إلى نفسه الزيارات التي يقوم بها البعض، والتي لا طائل من ورائها في نظره، وهي في نظره تضيع الكثير من الوقت الذي هو أحوج ما يكون له، وكان الأولى أن يقضي هذه الساعة أو أكثر في الكتابة بدلا ً من الحديث الذي يقتل الوقت من غير فائدة ولا جدوى للاثنين معا ً ، الزائر والمُزار. أما إذا كان الزائر يرتجي من ورائه الفائدة العلمية، ولا يكون الجلوس معه مضيعة للوقت، بل الجلوس معه فيه كل الخير فإنه يحرص على هذا الزائر ويدعوه ويلح على مصاحبته، كالأستاذ الفاضل المثقف سالم النويدري . أستطيع أن أؤكد هنا أن الكتابة بالنسبة للسيد هي كل شيء، وهي أهم لديه من الأشياء كلها، والتي ارتبط بها في حياته، هي عنده أهم من القراءة والخطابة والعلاقات والزوجات والأبناء .. فهي في المقدمة والبقية تأتي في الذيل.


أعود لأستكمل تفاصيل لقائي به في منزله في السنابس الشرقية.. دخلت عليه فوجدته مستغرقا ً تماما ً في الكتابة، وقد ذهل عما حواليه، ولم يشعر بدخولي عليه كعادته في كل لقاء معه، والقلم في يده يمسك به بقوة ويكتب ويكتب دون أن يلتفت إليّ .. كل هذا لم يبعث في نفسي الغرابة ولا الدهشة، فقد شاهدت هذا الموقف منه قبل ذلك في منزله بالنعيم، ولكن الغريب في هذا اللقاء، والذي صدمني وهزّني هزّة عنيفة، أني حين دخلت عليه وجدته يكتب وقد وضع على سطح المكتب بالقرب منه مذياعا ً ، والمذياع يذيع أغنية لمغن ٍ مشهور، فهو يكتب في الدين ويستمع للغناء معا ً!! ألا يرى أن الغناء من المحرمات؟! كيف يسمع الغناء وهو رجل معمم وخطيب حسيني ؟!! كل هذه الخواطر مرّت عليّ بقوّة وأنا أرى هذا المنظر الغريب أمامي، والأغرب من هذا أنه لا يسمع الغناء بعيدا ً عن أعين الرقباء، وعن أبصار النساء، بل هو يصنع ذلك جهارا ً، وأمام أنظار أهل بيته، ولم يكترث لدخولي عليه، أو يبدي ارتباكا ً أو يقدم تبريرا ً أو اعتذارا ً، مما يعني أن الاستماع للغناء بالنسبة له عقيدة وسلوك وقناعة لا تقبل النقض، أو الجدل.. ومن خلال مرافقتي له ، وبعد أن توطدت العلاقة بيننا وجدته لا ينكر استماعه للغناء، ولا ينفيه، بل يؤكده، وله مبرراته التي يستند عليها، بل كان يقول لي إنه وهو رجل الدين لا يرى غضاضة في ذلك أو منكرا ً، بل يذهب إلى أن الغناء أصلا ً ليس محرما ً، ولا يوجد دليل على حرمته، فهو فن من الفنون، وإنما الحرام منه ما يدعو إلى فاحشة، أو منكر، أو أدّى إلى معصية، فالحرمة ليست في ذاته، بل بما يرافقه وينتج عنه، وهو فن يدور أولا ً وقبل كل شيء على محور مهم وخطير وهو الكلمة.


في الحقيقة ما كنت أنوي أن أتطرق إلى مسألة سماعه للغناء في هذه الذكريات، لكني وجدت في تأبينه أن أولاده الواحد بعد الآخر يشيرون وبكل وضوح وعلانية، وأمام الملأ من الحضور إلى أن والدهم كان من بين الأمور التي تعلّق بها هي فن الغناء العربي، وعلى الأخص غناء أم كلثوم، وأحب أن أشير هنا إلى أن السيد من خلال أحاديثي معه ومساجلاتي إياه وجدته كثير الثناء على غناء أم كلثوم !! وكان الأبناء يقولون ذلك بكل رحابة، ويؤكدون أن أباهم السيد محمد صالح كان مولعا ً بكل ما هو جميل وفن، كالرسم والخط والتصوير وتنسيق الورود والاعتناء بها ، ومن بين هذه الفنون يأتي الغناء، فاهتمامه بالغناء جاء انبثاقا ً من اهتمامه بالفن بجميع أشكاله وصوره، وبكل ألوانه ومشاربه، والغناء ليس استثناء من بينها. وأتذكر أني حضرت مجلسا ً تأبينيا ً أقيم للسيد من قبل أفراد عائلته، وحين جاء الدور لكلمة العائلة تقدم أحد أبنائه وأشار إلى حب السيد للغناء، وقال معقبا ً: هذا رأيه ولكلٍ ٍ رأيه وقناعاته.  قال ذلك وهو يبتسم ويضحك، ودون أن تظهر عليه علامات الضيق أو التردد من قول ذلك، أو الشعور حتى بالغضاضة من إعلان هذه الملاحظة. 


وعندما بدأت في قراءة مؤلفاته وجدت فيها إشارات تؤكد بجلاء أن السيد من المدمنين على سماع الغناء، وعلى الأخص غناء أم كلثوم، والتي يُطلق عليها لقب كوكب الشرق، وأول هذه الإشارات التي وقع عليها نظري قوله في كتابه "فرائد المرجان الجياد في فضل الصوم ومختصات رمضان والأعياد" ج3ص14 ط2/1987 –مؤسسة الأعلمي. إذ يقول:" وقد وصف أمير الشعراء (رح) هذه العجيبة من تاريخ مصر في قصيدة عنوانها(أيها النيل) أولها:


من أي عهد في القرى تتدفق
 وبأي كف في المدائن تغدق 


وهي قصيدة عصماء غاية في البلاغة والإبداع، وقد ذكرت في ديوانه (الشوقيات) 2/77، وغنَّت بها كوكب الشرق أم كلثوم بتلحين رياض السنباطي " . انتهى


حين قرأت قوله هذا، وما جاء من ذكره لأم كلثوم قلت لأحمل السيد على محمل الخير، ولألتمس له كل عذر بقدر ما أتمكن، وليكن ما جاء في كتابه مجرد ثقافة عامة، وليس عن معايشة، فهو يعرف أم كلثوم من منطلق ثقافته الواسعة، واطلاعه الغزير على الكتب، ومعايشته للعصر وقضاياه وما يتعلق به، وحتى معرفة الملحن هي من باب الثقافة العامة، ولا بأس بذلك.. ولكن بعد فترة من الصداقة معه قرأت ديوانه "عرائس الجنان" قراءة فاحصة وناقدة، فوجدت فيه إشارات لافتتانه بغناء أم كلثوم، وفيه قصيدة يتغنى فيها بصوتها، وبأنغامها وسحر صوتها، إذا ً الإشارة هناك لم تكن كما تصورت، بل هو مفتون بالغناء، وعلى الأخص بأم كلثوم !!


ففي ديوانه "عرائس الجنان" ج3ص243 ط1/1981، مؤسسة الأعلمي قصيدة عنونها بـ (غناء كوكب الشرق). يقول فيها :
هذي المدام فأين من يسقيها
 واللحن عند العزف من يلقيها
 دعني فإن إلى الغرام شرائطا ً
 قد قلَّ من حق الوفا يهديها
فالخمر لا تحلو بلا ساق ولا
 ساق بلا ساق له يثنيها
 والشرب لا يهنا بلا طرب ولا
 طرب سوى من عزف موسيقيها
 والعزف ليس بمطرب ما لم ينل
 صوتا ً ولحنا ً بالغناء يليها
لا تأل ُ جهدا ً فالقلوب من الهوى
 ذابت له عطشا ً فمن يرويها
فبشعر شوقي لحن سنباطيّه
من كوكب الشرق الغنا يحييها
الله كم من ليلة نشرت لنا
 مهجا ً غدت مهج الهوى تفديها
ليلات أنس ما عرفنا ما الجوى
 فيها ولا طيف الأسى يأتيها
 
والذي أذهلني في الموضوع برمته أن السيد (رحمه الله) يكتب بعد هذه الأبيات السابقة في أم كلثوم جملة قصيرة، لكنها تمثل لي صدمة، العبارة كالتالي :" بقيتها (أي القصيدة) في رثاء الحسين (ع) ذكرت في الجزء الأول " .. أي أن السيد كتب قصيدة طويلة في رثاء الحسين (ع) وجعل مقدمة تلك القصيدة عبارة عن بيان تعلقه بغناء أم كلثوم !!


وللحديث بقية

التعليقات (2)

  1. avatar
    عبدالله

    أحسنت أستاذي الفاضل معلومات جدا ممتعة، أنتظر البقية

  2. avatar
    رضي العجوز الماحوزي

    رحم الله الراحل العلامة السيد محمد صالح العدناني الموسوي وقدس نفسه الزكية .. في شوق واشتياق لتكملة ما بدأتم به ..

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع